روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
342
عرائس البيان في حقائق القرآن
والأولياء بالقربة ، والعارفين بالوصلة ، ثم أقسم بسماء قلوب الموحدين التي شمسها العرفان ، وقمرها الإيقان ، ونجمها الإيمان ، وصفاؤها البيان ، وسحابها البرهان ، ومطرها الغفران ، ورياحها القربان ، وحبكها لمعان العيان بقوله تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ( 7 ) . قال الأستاذ : الإشارة إلى سماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان وقمر المحبة ونجوم القربة . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 15 إلى 19 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 ) قوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أي : الذين يتحرزون بهمومهم الصافية عن غبار الخليقة ، يتقلبون في جنان القربة ، ويعيشون بنسيم الوصلة ، ويشربون من عيون المعرفة شراب المحبة آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي : من لطائف المقامات وغرائب الدرجات ، في الدنيا لهم الكرامات ، وفي الآخرة لهم المداناة ، ثم ذكر سبب وصولهم إليها ، فقال : إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ أي : باذلين وجودهم للّه شوقا إلى اللّه ، ثم زاد في وصفهم بأنهم باتوا في ظلم الليالي ؛ لتفقد الواردات وطلب المكاشفات بقوله : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ، يتهجدون في أجواف الليالي بطيب مناجاتهم وحلاوة مراقباتهم ولذة انبساطهم وعربدتهم على بساط الاحتشام ؛ حيث يسمعون لطائف الإلهام والخطاب والكلام ، فيا لها من عبراتهم ، ويا لها من زفراتهم ويا لها من شهقاتهم ، ويا لها من لذة تلفظهم بالشطحيات ، وغرائب الكلمات الإلهيات ، وهذا من كمال عشقهم وغلبات محبتهم وشوقهم ، لا يقدرون أن يناموا في مضاجعهم ؛ من لذة الأنس باللّه ووجدان قرة عيونهم من نور مشاهدته ، حيث قال في وصفهم : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، أين أنت يا صاحبي من سقوطهم وتمرغهم في التراب ؟ ! لو رأيت عيونهم الباكية لترى فيها دمار أكبادهم ، اللّه يعلم أسرارهم ؛ حيث هيّجهم بشوقه وعشقه إلى قربه حتى لم يناموا على فرشهم مثل البطالين والغافلين ، وأنشد : نهاري نهار النّاس حتّى إذا بدا * لي الليل هزتني إليك المضاجع أقضى نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني والهم بالليل جامع ثم وصفهم اللّه بأنهم مستغفرون بالأسحار ، وذلك أنهم إذا رجعوا من مقام المشاهدة إلى مقام المراقبة يستغفرون اللّه من الزلات والخطرات قبل المداناة وبعد المكاشفات من